خليل الصفدي
113
أعيان العصر وأعوان النصر
548 - جوبان « 1 » النوين الكبير النوين المعظم نائب الممالك القانية . كان بطلا شجاعا آمرا مطاعا ذا إقدام وثبات ، وله في الحروب إذا حميت ، وثبات عظيما ذا مهابة كبيرا بين المغول تقبس النار منه شهابه شديد الوطأة يخاف كل من في الأردو خطأه ، عالي الشأن كثير الفخار بعيد المنال رفيع المنار همته عالية ، وعزمته بالحزم حالية صحيح الإسلام مليح الانقياد في الدين والاستسلام حظه من الصلاة موفور الأقسام ، وعقيدته في النصح للإسلام تعرف من ثغره البسام . بذل الذهب الكثير حتى أوصل الماء إلى مكة ، وجرى بها ، ولم يبق للماء ثمن يباع به ، وإنما الثمن لأجرة نقله ، ووصل الماء إلى مكة ، وجرى فيها بالصفا ، وبباب إبراهيم ، وبالأبطح في أوائل جمادى الأولى سنة ست وعشرين وسبعمائة . وأنشأ مدرسة مليحة بالمدينة النبوية في جوار الحرم الشريف ، وتربة ليدفن بها ، وكان له ميل كثير إلى المسلمين ، وهو أحد الأسباب المتوفرة في تقرير الصلح بين بو سعيد مخدومه ، وبين السلطان الملك الناصر محمد . أخبرني جماعة من أهل الرحبة أنه لما نزل خربندا عليها ، ونصب المجانيق رمى منجنيق قراسنقر حجرا تعتع القلعة ، وشق منها برجا ، ولو رمى غيره هدمها إلى الأرض . وكان جوبان يطوف على العساكر ، ويرتب المحاصرين فلما رأى ذلك أحضر المنجنيقي ، وقال له : أتريدني أقطع يدك الساعة ، وذمه ، وسبه بانزعاج ، وحنق ، وقال : ويلك في شهر رمضان نحاصر المسلمين ، ونرميهم بحجارة المنجنيق لو أراد القان أن يقول لهؤلاء المغول الذين معه : ارموا على هذه القلعة مخلاة تراب كل واحد كان طموها ، وإنما هو يريد أخذها بالأمان من غير سفك دم ، واللّه متى عدت رميت حجرا آخر سمرتك على سهم المنجنيق . وحكى لي منهم غير واحد ، أنه كان ينزع النصل من النشاب ، ويكتب عليه : إياكم أن تذعنوا أو تسلموا ، وطولوا أرواحكم فهؤلاء ما لهم ما يأكلونه ، وكان يحذرنا هكذا بعدة سهام يرميها إلى القلعة ، واجتمع بالوزير ، وقال له : هذا القان ما يبالي ، ولا يقع عليه عتب ، وفي غد ، وبعده إذا تحدث الناس أيش يقولون ! نزل خربندا على الرحبة ، وقاتل أهلها ، وسفك دماءهم ، وهدمها في شهر رمضان . فيقول الناس : أفما كان له نائب مسلم ، ولا ،
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 1463 ، والوافي بالوفيات : 11 / 220 ، والبداية والنهاية : 14 / 140 ، والمنهل الصافي : 5 / 33 ، وذيول العبر : 159 .